فخر الدين الرازي

432

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا : هذا ضعيف لأن قوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله : فَإِنْ فاؤُ ورد عقيب ذكرهما ، فيكون هذا الحكم مشروعا عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله : أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما هاهنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعا عقيب هذين الأمرين ، وهذا كلام ظاهر . الحجة الثانية : للشافعي رضي اللّه عنه أن قوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج ، وعلى قول أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج . فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه . فالمراد من قوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ الإيلاء المتقدم . قلنا : هذا بعيد لأن قوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ لا بد وأن يكون معناه : وإن عزم الذين يؤلون الطلاق ، فجعل المؤلي عازما ، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطلاق فهو متعلق العزم ، ومتعلق العزم متأخر عن العزم ، فإذا الطلاق متأخر عن العزم لا محالة ، والإيلاء إما أن يكون مقارنا للعزم أو متقدما ، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر . الحجة الثالثة : أن قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعا ، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن اللّه سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن اللّه سميع لذلك الإيلاء . قلنا : هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء ، وهو كلام غيره حتى يكون فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تهديدا عليه . الحجة الرابعة : أن قوله تعالى : فَإِنْ فاؤُ . . . وَإِنْ عَزَمُوا ظاهره التخيير بين الأمرين ، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحدا ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك . الحجة الخامسة : أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق ، بل هو حلف على الامتناع من الجماع / مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقدارا معلوما من الزمان ، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة ، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيرا ، فأما ترك الجماع زمانا طويلا فلا يكون إلا عند قصد المضارة ، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط ، بين تعالى حدا فاصلا بين القصير والطويل ، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة ، وذلك لا يوجب البتة وقوع الطلاق ، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي اللّه عنه أن عبد اللّه بن مسعود قرأ ، فإن فاؤ فيهن . والجواب الصحيح : أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآنا وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة ، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من